السيد عبد الله شبر
40
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
أخرى إنّما نشأت ولزمت من خصوصيّة هذا الموطن ، فعادت إلينا لا إلى الصفة الإلهيّة ، وهو معنى قوله تعالى في الحديث القدسيّ : « أنت أولى بسيّئاتك منّي » . ومعنى قوله : « لا اسئل عمّا أفعل » أنّ الأفعال الصادرة منه بلا واسطة ، وكذا الصفات الإلهيّة الثابتة له في مقام التوحيد قبل عالم الكثرة ليست فيها شائبة النقص والقبح حتّى يرد فيها السؤال ؛ لأنّ عالم الإلهيّة كلّه نور وكمال . ثمّ نقل عن بعض أصحاب القلوب - والظاهر أنّه ابن العربيّ « 1 » - أنّه ذكر تقريباً للطبائع والأفهام وتسهيلًا لفهم التوحيد الأفعاليّ على العقول فيما يضاف إلى الجمادات والأعجام ، فإنّ الحجاب عن إدراك هذا التحقيق أمران : أحدهما : اختيار الإنسان والحيوان . وثانيهما : ما ينسب إلى الجمادات وسائر الأجرام . أمّا الأوّل : فإنّ نسبة إرادة الإنسان إلى مشيّة اللَّه كنسبة إدراك الحواسّ إلى إدراك العقل كما في قوله : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ « 2 » ، ونسبة مصادر أفعالها من الأبدان والأعضاء كنسبة الجوارح إلى القلب الذي هو أمير الجوارح ، كما دلّ عليه قوله : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ « 3 » ، قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ « 4 » ، وقوله : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى « 5 » . وأمّا الثاني : فقد انكشف لذي البصائر المستنيرة أنّ الشمس والقمر والغيم والمطر والأرض وكلّ حيوان وجماد مسخّرات بأمره تعالى ومقبوضات بقبض قدرته ، كالقلم الذي هو مسخّر للكاتب وعلمه وإرادته وقدرته وقوّته التي في عصبه وإصبعه ، كما أنّ علمه ومشيّته واردتان عليه من خزائن غيب الملكوت وكتابة قلم اللاهوت ، على ترتيب ونظام ، وتقدّم وتأخّر من الأعلى فالأعلى ، إلى الأدنى فالأدنى ، حتّى انتهى أثر
--> ( 1 ) . بل الكلام هذا إلى آخر التمثيل والشرح هو للغزالي في إحياء علوم الدين ، ج 4 ص 247 - 252 . ( 2 ) . الدهر ( 76 ) : 30 ، التكوير ( 81 ) : 29 . ( 3 ) . الفتح ( 48 ) : 10 . ( 4 ) . التوبة ( 9 ) : 14 . ( 5 ) . الأنفال ( 8 ) : 17 .